بقلم احمد الجنديل
السلام على العراق ، وطن الأساطير التي تمشي على الأرض ، والأحاجي الملغومة ، والأسرار المشفرّة ، والشعارات المطلسمة .
السلام على تاريخ العراق المعطّر بأريج الخرافات وملاحم الخوف وسطوة الخيال ، والراقد بين كهوف الفتن والانقلابات ، والمترنح تحت تخدير الشعارات ، وأعاصير البطولات المخزيات ، ومغامرات الفرسان المضحكات .
السلام على حاضر العراق المدجج بالطائفية والعنصرية ، والسائر على نهج التبعية ، والمثخن بحراب الانتهازية .
السلام على أبناء العراق ، يتقافزون بين خنادق أحزابهم وطوائفهم وأديانهم وعشائرهم ، وكلّ خندق ينشطر من خندق ، وكلّ حاضنة تلد أخرى ، وكل حزب ينزلق من مؤخرته حزب جديد ، مع غياب دائم للعراق .
من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، متدينون يزنون في شرائع الله كلّ صباح ، يسرقون أموال الفقراء ويقتلون النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق ، وينتهكون كرامة الناس ، وديمقراطيون تخرّ الديمقراطية من ثقوب ألسنتهم بفعل خنجر شيخ القبيلة المتربع في رؤوسهم ، وتقدميون بضاعتهم مركونة في جحور التخلف ، وقوميون يرقصون على أوتارها في دهاليز التآمر والتفرقة ، وعلمانيون يركضون وراء حقائب أهل الفساد من أجل أن يمتد الحريق على أرجاء الوطن الكبير ، ومثقفون يحملون أقلامهم وأوراقهم ويركضون صوب باب الخليفة بانتظار وصول طائر السعد حاملا بشراه ، وصبيان أحفاد الديناصورات المتحجرة في متاحف التاريخ الذين يتهجدون في كل محراب باستثناء محراب العراق ، ألسنة من جميع الأحجام والأشكال والموديلات تجيد التحدث بكلّ لغات العالم عدا لغة العراق .
السلام على وطني العراق ، وطن المسيرات الحاشدة ، والهتافات الكاسدة ، والنوايا الفاسدة ، وطن الأحلام المعلق بين الماضي والماضي ، المجرور بحبال الظلام إلى الظلام ، المرفوع من خرائب الهزائم والمدفوع إلى خرائب الهزائم ، وطن الجياع والمحرومين والفاسدين والمتاجرين بكل بضائع الرذيلة والكفر والإذلال ، وطن القتل على الهوية والتهجير والتخوين والأمزجة الرومانسية .
السلام على وطن يباع ويشترى كلّ يوم من قبل دعاة الوحدة الوطنية ، وفي أسواق ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) وفي ظل الأزمات المتلاحقة المقرونة بالتبريرات الرخيصة المبتذلة .
السلام على حكام العراق ، وأولي الأمر فيه ، الذين يعقدون آناء الليل بأطراف النهار ، ويشحذون الهمّة بالهمّة من أجل سرقة أموال البلاد ، واهانة العباد ، وغلق كل منافذ الحياة من أن يبقى العراق في طليعة الدول الغارقة في محيط التخلف والتبعية ، أشهد أنكم حملتم الأمانة ، وجعلتم البلد أضحوكة بين الأمم ، فجزاكم الله خير الجزاء على ما فعلتم وما سوف تفعلون .
السلام على وطن كلما تقيحت جراحاته في نفوسنا هربنا منه ، ثمّ نجده عالقاً في دمائنا كالديدان الشوكية ، وكلما هجع بفعل المورفين المحقون به ، وجدنا أنفسنا كالطحالب السرية ملتصقين في أوردته وشرايينه .
السلام على وطن لم يغادر الدنيا رغم كل الطعنات القاتلة في قلبه ، ولم يقف بشموخ يوماً رغم منابع الشموخ المنتشرة على جسده ..
سلاما ياعراق ، أيها الأمين المؤتمن على الشعارات المختمرة في معاصر سيف بن ذي يزن ، وحرب البسوس وداحس والغبراء ، ورحمة الله وبركاته