————————————-
في سلسلة التراث البغدادي كانت لنا محاضرة عن ( الپاچه) في بغداد خلال القرن الاول من عمر بغداد ذلك ان أبا عثمان الجاحظ المتوفي عام 259 هج أي بعد مائة عام من بناء بغداد أتى على ذكر هذه الاكله البغداديه في كتابه البخلاء عندما تكلم عن بخلاء بغداد وخص منهم البخيل البغدادي أبي عبد الرحمن وكيف انه كان يعتمد في طعامه على الرأس من هذه الاكله وما أورده الجاحظ عن بخلاء بغداد و( الپاچه) يفوق ما كنا قد ذكرناه في مقاله عن إبن الجوزي وما ذكره في كتابه الحمقى والمغفلين عن أحد الحمقى البغداديين الذي كان يعشق ( الپاچه) أيضاً و( پاچه) مفرده فارسيه مكونه من(پا) وتعني قدم و( چه) التي تكون عادة لاحقة تصغير لبعض الاسماء الفارسيه مثل ( چمچه) وهي من آلات الطبخ وتطلق على المطبوخ من أقدام المواشي ورؤوسها وأمعائها وكروشها لذلك كانت تسمية أهل الكرخ بأهل الكروش لحبهم أكل ( الپاچه) ويسمى بائعها الرواسي أي بائع الاجزاء المستدقه من اللحم وساق البقر والغنم ويسمى( الپاچه چي) على وزن ( چايچي) ومن ذلك قول الرسول:- لو أٰهدي لي دراع لقبلت....... ولو دعوت الى كراع لأجبت
والبغدادي أبو عبد الرحمن هو الذي ذكره الجاحظ من أشد البخلاء في بغداد الذي يهوى رأس ( الپاچه) من بين الاكلات في بغداد وما أكثرها والرأس من بين أجزاء الپاچه الذي يصفه الجاحظ فيقول: لم أر شيخاً ذا ثروة اجتمع عنده وأليه من البخلاء ما أجتمع له وأبو عبد الرحمن شديد البخل شديد العارضه عضب اللسان وكان يحتج بالبخل ويوصي به ويدعو اليه وهو القائل لأبنه: أي بني ان انفاق القراريط يفتح عليك أبواب الدوانيق وانفاق الدوانيق يفتح عليك ابواب الدراهم وانفاق الدراهم يفتح عليك ابواب الدنانير.. أي بني انما صار تأويل الدراهم( دار الهم) وتأويل الدينار ( يدني الى النار) الدرهم اذا خرج دار الهم على الدوانق والدينار يدني الى النار لأنه اذا أنفقه بقى مخففا معدما وفقيرا مبلطاً
وكان أبو عبد الرحمن يعجب برؤوس ( الپاچه) ويحمدها ويصفها وسمي الرأس رأساً لما يجتمع فيه من الالوان الطيبه وكان يسميه الجامع والكامل وكان يقول الرأس شيء واحد وهو ألوان عجيبه وطعوم مختلفه وكل قدر أي طبخه وكل شواء وهو ألوان عجيبه وطعوم مختلفه فطعم الدماغ على حدة فالرأس فيه الدماغ وفيه العينان وطعمهما على حده وفيه الشحمه بين الاذن والعين وطعمها على حده وفي الرأس اللسان وطعمه شيء على حده وفيه الخيشوم والغضررف الذي في الخشيوم وطعمهما شيء على حده وفيه لحم الخدين وطعمه شيء على حده
ويقول الرأس سيد البدن وفيه الدماغ وهو معدن العمل ومنه يتفرق العصب الذي فيه الحس وفيه الدماغ والانف والاذن بابان ولولا ان في العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربه تصيبه وفي الرأس الحواس الخمس
الناس لم يقولوا هذا رأس الامر وفلان رأس الكتيبه وهم رؤوس الناس وخراطيمهم وأنفهم ويشتقوا من الرأس الرياسه والرئيس وقد رأس القوم فلان الا وارأي هو المثل وهو المقدم
وكان اذا فرغ من أكل الرأس عمد الى القحف والجبين واذا شاركه ابنه في أكل الرأس يقول له: اياك ونهم الصبيان وشره الزراع واخلاق النوائح وكان يحذر من أكل اللحم ويردد؛ مدمن اللحم كمدمن الخمر ويقول لابنه ان الله قد فضلك فجعلك انسانا فلا تجعل نفسك بهيمه ولا سبعا واحذر سرعة الكظه وسرف البطنه .