كتب الاستاذ الدكتور محمد حسن قاسم عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في جامعة بيروت العربية، ما يأتي:
"علمنا مؤخراً ان تعديل قانون العقود الفرنسي سيجري عليه تعديل جديد ينصب على المادة ١١٩٥ الجديدة. والتعديل المقترح يسير في اتجاه ما نادينا به من قبل في دراسة بعنوان "الظروف الطارئة بين القانون المدني الفرنسي (١٩٤٨) وقانون العقود الفرنسي الجديد (٢٠١٦)" ونعتبر من جانبنا، ويتابع الدكتور قاسم، ان التعديل على التعديل انما يعني ادراك المشرع الفرنسي مؤخراً ( كما فعل المشرع المصري من قبل) المفهوم الحقيقي لنظرية الظروف الطارئة ودور القاضي في ظل هذه الظروف. ان هذه النظرية وجدت لانقاذ العقد على يد القاضي وليست وسيلة لهدمه..."ويُعتبر الدكتور قاسم هو اول من كتب في تعديل قانون العقود الفرنسي مقارنة بنظرية العقد في القانون المدني المصري.
وفي هذا المجال، جاء في كتاب عنصر الثبات وعامل التغير في القانون المدني، دار الفكر اللبناني، بيروت، ١٩٨٧. ما يلي:
" فالمسألة - اعادة التوازن الى العقود للظروف الطارئة- تتعلق بالنتيجة بمدى الاقتناع القضائي وبالارادة القضائية.
ان التخوف الجدي الذي يمكن ان تثيره هذه السلطة الفعالة للقضاء، هو في "التحكم القضائي" l’arbitraire du juge الذي قد تخلفه.
ان هذا التخوف، مصدره في الحقيقة، تلك النظرة السلبية الى مؤسسة القضاء، التي هي نتيجة اعتبارات تاريخية املتها مرحلة الثورة الفرنسية. ولكن الواقع العملي قد اثبت عكسها. فالقضاء لم يتوان في اكثر من مجال، عن ان تكون له سلطة في اختيار الحلول ووضع القواعد: فدوره قد تطور الى القيام بادوار اخرى، اقتصادية واجتماعية، حتى ان البعض قد تحدث عن قضاء اقتصادي له اسسه ومميزاته المستقلة عن القضاء المدني المعروف.
فالقضاء، عند تطبيقه للقوانين الاقتصادية والاجتماعية يتحول بوظيفته القانونية الصرفة الى دراسة الاوضاع المحيطة على ضوء المعطيات الاقتصادية والاجتماعية نفسها وذلك لوضع الحل الملائم والمسند الذي يرتئيه. والنظرية- تعديل العقد للظروف الطارئة- هي بحد ذاتها تفرض عليه سلوك هذا السبيل، سواء عند بحثه في الازمات الاقتصادية التي تشكل الحادث الاستثنائي المكون للنظرية، او عند تعديله للعقد بغرض اقامة نوع من التوازن الاقتصادي بين التزاماته...
والدور الاقتصادي للقضاء هو دور بارز في نطاق القانون الاقتصادي، يفترض فيه من القضاء، وفي حالات كثيرة، تحليلاً اقتصادياً للامور عند وضعه للحلول. والنظرية(الظروف الطارئة) من جهة ثانية، تتولى العمل على استمرار العقود تجنباً لانهائها وما يترتب على هذا الانهاء من نتائج سلبية، وابقاء للبناء الاقتصادي الذي تقوم تلك العقود على تحقيقه. والقانون الاقتصادي يعمل اساساً على تأمين حسن سير العجلة الاقتصادية بتطبيقه على مجمل العلاقات وعلى انواعها القواعد الضرورية التي تسمح بتحقيق ذلك الهدف. ومن اهم تلك القواعد والحلول: تعديل العقود باخضاعها للظروف المستجدة.
ان التعديل العقدي لعامل التغير يقتضي ان يكون اذن، نظرية شاملة لمختلف فروع القانون: فهو نظرية القانون العام، وهو نظرية القانون الاقتصادي، وعلى القضاء ان يعترف به في القانون الخاص، وذلك يتطلب منه ارادة التقرير. فأمامه وسيلة أداتية، تؤمن للنظرية تقنيتها، وليس عليه الا ان يعتمد تلك الوسيلة، فيكمل فراغ النص بما يتلاءم ويتناسق مع بقية النصوص التي تحكم نظرية العقد وتحقق اهداف المشترع بالتفاعل مع روح العصر ومتطلباته. فهذا العصر هو بحق عصر الظروف المتغيرة. والقانون، وان قصر في استحداث النصوص المجارية للتطور كما في لبنان، فعلى القضاء ان يتجاوز هذا التقصير عن طريق إعمال المبادئ القانونية العامة والعرف والانصاف. وهو في عمله يخضع لمعايير موضوعية لا تخضع لها سلطة اخرى. وهذه المعايير بذاتها كفيلة بابعاد خطر كل تحكّم او الحذر منه. فالقضاء هو الضامن للحقوق الشخصية والحامي لحقوق الملكية، يتوخى من عمله تحقيق العدالة عند تطبيقه للنصوص بصورة اوسع فاعيلة واجزل نفعاً من المشترع. فالقانون لا يُعرف بالنص وحده وانما بتطبيقاته القضائية وهو ما اكدته المادة الرابعة من قانون اصول المحاكمات المدنية عندما نصت على انه "عند انتفاء النص يعتمد القاضي المبادئ القانونية العامة والعرف والانصاف". فعند وجود النص يلتزم القاضي اعماله مستخرجاً نية المشترع واضع النص... وفي مطلق الاحوال عمل القضاء هو في تفسير النص وتطبيقه عند وجوده، والا طبق المصادر البديلة للقاعدة القانونية التي ذكرناها ( المادة الرابعة أ. م. م.). مما يحمل بعد ذلك على التساؤل عن السبب الذي يدعو الى الحذر من اعادة النظر القضائية في العقود المدنية لعامل التغير، رغم غياب النص التشريعي، كما في لبنان، وعلى التنكر لابعادها، مع ان التدخل القضائي في العقود هو اكثر ايثاراً من تدخل المشترع؟
( عنصر الثبات وعامل التغير، المذكور اعلاه، الفقرة ٤٤٥ و ٤٦٨ و ٤٦٩).
الدكتور قاسم يمثل في تفكيره القانوني هذا الجيل الجديد من الفقه المصري الذي اغنى بشكل عام المكتبة القانونية العربية بمؤلفاته العميقة التي تحمل بحق ما يعنيه هذا المصطلح من معنى ( المساهمة والجديدة في المادة والشخصية القانونية المميزة) وبشكل خاص في المدرسة القانونية التي انشأتها كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية الذي يجمع المدرسة الفقهية الاسلامية والمدارس القانونية الغربية ، واطلالة مؤسسة للفقه القانوني العربي في الخليج ودول المغرب العربي، وفي لبنان تحديداً لان هذه المؤلفات تشكل جزءاً اساسياً للفقه اللبناني في دراستها للقوانين اللبنانية وهي لا تعد ولا تحصى .
فكل الشكر والتقدير والاعتراف بما قدمه هذا الفقيه الى ثقافتنا القانونية في شتى مجالاتها.
"علمنا مؤخراً ان تعديل قانون العقود الفرنسي سيجري عليه تعديل جديد ينصب على المادة ١١٩٥ الجديدة. والتعديل المقترح يسير في اتجاه ما نادينا به من قبل في دراسة بعنوان "الظروف الطارئة بين القانون المدني الفرنسي (١٩٤٨) وقانون العقود الفرنسي الجديد (٢٠١٦)" ونعتبر من جانبنا، ويتابع الدكتور قاسم، ان التعديل على التعديل انما يعني ادراك المشرع الفرنسي مؤخراً ( كما فعل المشرع المصري من قبل) المفهوم الحقيقي لنظرية الظروف الطارئة ودور القاضي في ظل هذه الظروف. ان هذه النظرية وجدت لانقاذ العقد على يد القاضي وليست وسيلة لهدمه..."ويُعتبر الدكتور قاسم هو اول من كتب في تعديل قانون العقود الفرنسي مقارنة بنظرية العقد في القانون المدني المصري.
وفي هذا المجال، جاء في كتاب عنصر الثبات وعامل التغير في القانون المدني، دار الفكر اللبناني، بيروت، ١٩٨٧. ما يلي:
" فالمسألة - اعادة التوازن الى العقود للظروف الطارئة- تتعلق بالنتيجة بمدى الاقتناع القضائي وبالارادة القضائية.
ان التخوف الجدي الذي يمكن ان تثيره هذه السلطة الفعالة للقضاء، هو في "التحكم القضائي" l’arbitraire du juge الذي قد تخلفه.
ان هذا التخوف، مصدره في الحقيقة، تلك النظرة السلبية الى مؤسسة القضاء، التي هي نتيجة اعتبارات تاريخية املتها مرحلة الثورة الفرنسية. ولكن الواقع العملي قد اثبت عكسها. فالقضاء لم يتوان في اكثر من مجال، عن ان تكون له سلطة في اختيار الحلول ووضع القواعد: فدوره قد تطور الى القيام بادوار اخرى، اقتصادية واجتماعية، حتى ان البعض قد تحدث عن قضاء اقتصادي له اسسه ومميزاته المستقلة عن القضاء المدني المعروف.
فالقضاء، عند تطبيقه للقوانين الاقتصادية والاجتماعية يتحول بوظيفته القانونية الصرفة الى دراسة الاوضاع المحيطة على ضوء المعطيات الاقتصادية والاجتماعية نفسها وذلك لوضع الحل الملائم والمسند الذي يرتئيه. والنظرية- تعديل العقد للظروف الطارئة- هي بحد ذاتها تفرض عليه سلوك هذا السبيل، سواء عند بحثه في الازمات الاقتصادية التي تشكل الحادث الاستثنائي المكون للنظرية، او عند تعديله للعقد بغرض اقامة نوع من التوازن الاقتصادي بين التزاماته...
والدور الاقتصادي للقضاء هو دور بارز في نطاق القانون الاقتصادي، يفترض فيه من القضاء، وفي حالات كثيرة، تحليلاً اقتصادياً للامور عند وضعه للحلول. والنظرية(الظروف الطارئة) من جهة ثانية، تتولى العمل على استمرار العقود تجنباً لانهائها وما يترتب على هذا الانهاء من نتائج سلبية، وابقاء للبناء الاقتصادي الذي تقوم تلك العقود على تحقيقه. والقانون الاقتصادي يعمل اساساً على تأمين حسن سير العجلة الاقتصادية بتطبيقه على مجمل العلاقات وعلى انواعها القواعد الضرورية التي تسمح بتحقيق ذلك الهدف. ومن اهم تلك القواعد والحلول: تعديل العقود باخضاعها للظروف المستجدة.
ان التعديل العقدي لعامل التغير يقتضي ان يكون اذن، نظرية شاملة لمختلف فروع القانون: فهو نظرية القانون العام، وهو نظرية القانون الاقتصادي، وعلى القضاء ان يعترف به في القانون الخاص، وذلك يتطلب منه ارادة التقرير. فأمامه وسيلة أداتية، تؤمن للنظرية تقنيتها، وليس عليه الا ان يعتمد تلك الوسيلة، فيكمل فراغ النص بما يتلاءم ويتناسق مع بقية النصوص التي تحكم نظرية العقد وتحقق اهداف المشترع بالتفاعل مع روح العصر ومتطلباته. فهذا العصر هو بحق عصر الظروف المتغيرة. والقانون، وان قصر في استحداث النصوص المجارية للتطور كما في لبنان، فعلى القضاء ان يتجاوز هذا التقصير عن طريق إعمال المبادئ القانونية العامة والعرف والانصاف. وهو في عمله يخضع لمعايير موضوعية لا تخضع لها سلطة اخرى. وهذه المعايير بذاتها كفيلة بابعاد خطر كل تحكّم او الحذر منه. فالقضاء هو الضامن للحقوق الشخصية والحامي لحقوق الملكية، يتوخى من عمله تحقيق العدالة عند تطبيقه للنصوص بصورة اوسع فاعيلة واجزل نفعاً من المشترع. فالقانون لا يُعرف بالنص وحده وانما بتطبيقاته القضائية وهو ما اكدته المادة الرابعة من قانون اصول المحاكمات المدنية عندما نصت على انه "عند انتفاء النص يعتمد القاضي المبادئ القانونية العامة والعرف والانصاف". فعند وجود النص يلتزم القاضي اعماله مستخرجاً نية المشترع واضع النص... وفي مطلق الاحوال عمل القضاء هو في تفسير النص وتطبيقه عند وجوده، والا طبق المصادر البديلة للقاعدة القانونية التي ذكرناها ( المادة الرابعة أ. م. م.). مما يحمل بعد ذلك على التساؤل عن السبب الذي يدعو الى الحذر من اعادة النظر القضائية في العقود المدنية لعامل التغير، رغم غياب النص التشريعي، كما في لبنان، وعلى التنكر لابعادها، مع ان التدخل القضائي في العقود هو اكثر ايثاراً من تدخل المشترع؟
( عنصر الثبات وعامل التغير، المذكور اعلاه، الفقرة ٤٤٥ و ٤٦٨ و ٤٦٩).
الدكتور قاسم يمثل في تفكيره القانوني هذا الجيل الجديد من الفقه المصري الذي اغنى بشكل عام المكتبة القانونية العربية بمؤلفاته العميقة التي تحمل بحق ما يعنيه هذا المصطلح من معنى ( المساهمة والجديدة في المادة والشخصية القانونية المميزة) وبشكل خاص في المدرسة القانونية التي انشأتها كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية الذي يجمع المدرسة الفقهية الاسلامية والمدارس القانونية الغربية ، واطلالة مؤسسة للفقه القانوني العربي في الخليج ودول المغرب العربي، وفي لبنان تحديداً لان هذه المؤلفات تشكل جزءاً اساسياً للفقه اللبناني في دراستها للقوانين اللبنانية وهي لا تعد ولا تحصى .
فكل الشكر والتقدير والاعتراف بما قدمه هذا الفقيه الى ثقافتنا القانونية في شتى مجالاتها.




التعليقات