البيوت الخاوية
-1-

قرأنا في بعض كتب الادب ، قصة عثمان الطفيلي – الذي كان معاصراً للمأمون – فقد حدّث عن نفسه فقال :
" مررتُ بجنازة ومعي ابني ، ومع الجنازة امرأة تبكي وتقول :
يذهبون بكَ الى بيتٍ لا فراشَ فيه ولا وطاء ،
ولا ضياء ولا غطاء ،
ولا خبز ولا ماء ،
فقال ابني :
يا أبت الى بيتنا والله يذهبون
-2-

والسؤال الآن :
كم مِنْ بيت خاوٍ على عروشه في العراق اليوم ، بعد أنْ فتك الدواعش الأوغاد بالبلاد والعباد ، وأكثروا فيها الدمار والفساد ؟!
وملأوا المقابر بالأجساد ؟!
-3-

هناك الملايين ممن هم تحت خط الفقر، وأعداد ضخمة من الفقراء
قال (ابن الطوابيقي) – المتوفي سنة 596 هجرية

يَصِفُ داره بل يصف حاله ..!!
لِيَ بيتٌ تموتُ فيه السنانيرُ
هزالاً والفأرُ في الأسرابِ
انا فيه فوق التراب وخيرٌ
ليَ منهُ لو كنتُ تحتَ الترابِ
فما قولك في بيت تموت فيه القطط والفيران، ويلعلع فيه الفقر والحرمان، ويتمنى صاحبه ان يكون تحت التراب لا فوقه ؟!
فالموت خير له من تلك الحياة البائسة المرهقة ...
ابن شاكر / 3 / 191
نعم ان هناك الملايين من البائسين والمستضعفين الذين عزّ عليهم سَقْفٌ يحميهم من الحرّ والبرد، وأشبار من الارض يتخذونها مأوى وسكنا ؟!
-4-

ان البحث عن "الطعام" في القمامة يكاد لا يُصدّق في بلد نفطيٍّ ثريٍّ كالعراق، ولكنها الحقيقة المرّة بعينها ..!!
-5-

ان ما يُدفع من تخصيصات للرعاية الاجتماعية الى بعض العوائل لا يغطّي الاّ اليسير من نفقاتهم، وهو لا يُسمن ولا يغني من جوع ..!!
ومن هنا فلا بُدَّ أنْ تنطلق المبادرات الخيّرة من قبل كُلّ القادرين على

الإرفاد والاسعاد ،وقليل ماهم ..!!
-6-

في الغرب قد يوصي بعض الأثرياء (لِكَلْبهِ) بعمارة ، وعندنا لا يُوصي الموسرون لذويهم وأهليهم بشيء يذكر ..!!
وهذه المفارقة المرّة ..!!
-7-

ومما يحزن ان الكثير من الأطفال تركوا دراستهم ومدارسهم وانطلقوا في الشوارع يبيعون زجاجات المياه وشبهها من البضائع انقاذاً لأهليهم من الموت جوعاً ...
الأمر الذي ينذر بأوخم العواقب المستقبلية .
-8-

وأفظع ما يملأ القلوب بالأشجان والمرارة أنْ تنتفخ " كروشُ " حيتانِ الفسادِ، وتتدلى تزامنا مع هذا الفقر الفظيع والبؤس المريع .
انهم يختلسون نصيب الفقراء والبائسين والمستضعفين من المال العام، ويحوّلونه الى أرصدة وعقارات ومشاريع ولا من محاسبٍ أو عقاب ..!!
ولو كانت المبالغ المختلسة ضئيلة محدودة المقدار لهان الأمر ، ولكنها المليارات الضخمة من الدولارات، تسربت الى خارج الحدود، وشقّت طريقها الى المصارف الأجنبية، وتحوّلت الى ممتلكات شخصية في

مختلف بقاع العالم ...
-9-

انّ الانتصارات العسكرية على " داعش " مهمة ومُفرحة ولكنها مالم تقترن بالقضاء على دواعش الاختلاس والفساد تبقى محدودة الأثر .
ولن يذوق العراق الحبيب طعم العافية الاّ بعد تطهير البلاد من رجس الفاسدين المفسدين، كما تم تطهيرها من دنس الارهابيين التكفيريين، ذلك ان الارهاب والفساد وجهان لعملة واحدة – كما هو معلوم - .
-10-

لو أنّ كل فرد من الافراد في بيوتنا العامرة يضع (1000) دينار كل يوم في صندوق معين ، لأمكن ان نوصل الى بعض العوائل الفقيرة شيئا من الاعانة التي تخفف عنهم الأعباء ولكن أين هي الصناديق ؟
واين هو الاهتمام بأهل الضيق ؟
يقول الشاعر :
أَلذُّ موداتِ الرجالِ مذاقةً مودةُ مَنْ إنْ ضَيَّقَ الدهرُ وسّعا
فلا تلبس الودَّ الذي هو ساذج اذا لم يكن بالمكرمات مُرَّصَعا
-11-
قيل :
ان أحد الأثرياء كان يقصد الحرم العلوي المطهر فيكثر من الركوع والسجود ...
يكثر من الصلوات

وفي زعمه ان هذا منتهى العبادة فوقف عليه أحد العلماء وقال له :
ان هذه عبادة الفقراء الذين لا يملكون ما ينفقون فيتقربون الى الله سبحانه بأداء النوافل ...
أما انت فعبادتك ان تنفق من أموالك الضخمة في مضامير البر والاحسان والخير ، وإغاثة الملهوف ، والتنفيس عن المكروب ،واشباع الجائع ، وقضاء حاجة الفقير المعدم .
-11-

ومن نافلة القول التذكير بما أعدّه الله تعالى من مثوبات للمنفقين في سبيله ،
انه يُضاعف له ما ينفقون أضعافاً مضاعفة، حتى أنها تفوق حساباتهم قال تعالى :
( مَثَلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حَبّةٍ أنبتتْ سبعَ سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء )
فهنيئا للباذلين .
-12-

ليكن التنافس في هذه الميادين، فالصراعات والاختلافات بين المحترفين السياسيين قد أضرت بالبلاد والعباد ، وقد بلغ السيل الزبى ، ولا بُدَّ من اجتناب المغامرات في بحار الأهوال المتلاطمة الأمواج، وصولاً الى مرافئ الامان والاستقرار والسلام .
ويا ايها المتصارعون :
انكم مسؤولون عن :
البيت الخاوي ،
والجيب الخاوي ،
والغصن الذاوي ،
وعن كل كبد حرّى ...

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏‏لحية‏، و‏‏بدلة‏، و‏قبعة‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏