بعد ان تفاقم النقاش والتوتر الذي وصل في مرحلة معينة الى الحدة حول قانون سلسلة الرتب والرواتب، والذي كتب فيه الكثير، رأيت من واجبي ان اساهم ايجابياً في هذا الموضوع...

سلطة دستورية تضرب ! تعتكف! تتوقف عن العمل! وكلها صور للتعبير عن احتجاج ضد موقف تعتبره صادماً.
وضد من!
من الحقوق الاساسية للانسان هو حق الاضراب ضد جهة معينة يعتبر المضربون انهم ظلموا منها... عمال ضد ارباب العمل ، المعلمون ضد أصحاب المدارس ، اساتذة جامعيين ضد الجامعات او ضد القوانين الجامعية.
اما السلطة القضائية ،فإضرابها، اعتكافها، توقفها عن العمل، ضد السلطة التشريعية سلطة مقابل سلطة فهذه أعجوبة العجائب؟؟؟ ولكن متى عرف السبب بطل العجب.
يقال أن المسؤولية تقع ليس على راشق الناس بالحجارة ، ولكن المسؤولية تقع كلها على من اعطى السبب للناس لكي ترشقه بالحجارة؟؟؟حق مكتسب للقضاء لا يغني عن جوع وإنما يساعد على ضمان عيش كريم لهم ولعائلاتهم وهذا هو اضعف الإيمان جرى التعدي عليه ، وبدلاً من تعزيز هذا الحق يتولى المشترع تقويضه من خلال المادة ٣١ من القانون سلسلة الرتب والرواتب الصادر بتاريخ ١٨ تموز ٢٠١٧، التي وضعت نظاماً موحداً للتقديمات الإجتماعية، منحة زواج، ومنحة ولادة ،ومنحة تعليم ، ومنحة وفاة، وقد شملت هذه المادة جميع العاملين في القطاع العام ما يؤدي الى الاطاحة بصندوق تعاضد القضاة، الذي يعتبره القضاة من الأسباب الجوهرية لضمان استقرارهم. وهذا التدخل في السلطة القضائية من قبل المشترع فيه مخالفات دستورية أقلها من ناحيتين:
- الناحية الأولى، المادة ٢٠ من الدستور والمبادئ الدستورية العامة التي تنص وتعتبر بأن القضاء سلطة في الدستور مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية . والركن الاساسي لهذ الاستقلال هو الاستقلال المالي . فإلغاء صندوق تعاضد القضاة او أي مس بتقديماته الإجتماعية هو " إعدام مفهوم السلطة القضائية عند دمج هذا الصندوق مع الموظفين"، ما يعني أيضاً اعتبار القضاة بموجب هذا القانون العادي مجرد موظفين عاديين وليس سلطة دستورية على نفس مستوى السلطتين الأخريين وفي ذلك "مخالفة واضحة للمادة ٢٠ من الدستور".
ان التسلط على رواتب القضاة ومستحقاتهم المشروعة، وعلى حقوقهم المكتسبة، بموجب القوانين العادية والتي رتبوا حياتهم على أساسها، فيه"ابتزاز" مزمن ومستمر للقضاء يضعفه "ويمس بجميع جوانب استقلاله وترسيخ لثقافة لطالما حاربناها هي ثقافة التدخل في القضاء على أنقاض ثقافة استقلاله".
- الناحية الثانية، ان المس بالتقديمات الإجتماعية بقانون عادي دون بديل بنفس المستوى او اكثر، فيه مخالفة دستورية تعرض القانون للإلغاء. وهذا ما أكده المجلس الدستوري في اكثر من قرار ، نذكر منها قراره رقم /٥/ تاريخ ٣١ أيار سنه٢٠٠٥ الذي جاء فيه: "لا يسع المشترع أن يعدل أو يلغي النصوص النافذة للحريات والحقوق دون أن يحل محلها نصوصاً أكثر ضمانة أو تعادلها على الأقل فاعلية وضمانة.
وبالتالي لا يجوز للمشترع أن يضعف من الضمانات التي أقرها بموجب قوانين سابقة، سواء عن طريق إلغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها و إحلال ضمانات محلها أقل قوة وفاعلية...." ، بنفس معنى هذا القرار هناك قرار أول صادر عن المجلس الدستوري تاريخ١٢كانون الثاني سنة١٩٩٥ ( قضية سماحة الشيخ حسن عبد الساتر ، رئيس المحكمة الجعفرية العليا، الذي وضع بتصرف رئيس مجلس الوزراء بقانون انذاك)، وفي كل ذلك دراسات عديدة في الموضوع وأكتفي بالإشارة إلى دراسة هي الأحدث وفيها ذكر لتلك المراجع: هانيا محمد علي فقيه . "استقلال السلطة القضائية في لبنان: واقع وتحديات" قيد النشر تموز سنة٢٠١٧ صفحة١٤ وما يليها ، وقد ذكرتها لحداثتها ودقتها وللأمانة العلمية...
ان السلطة التشريعية وفيها من فيها من الحريصين على سيادة القانون واستقلال القضاء نظرياً وعملياً قد عملت سابقاً وحالياً على تعزيزه في اكثر من مجال ومناسبة، هي مدعوة اليوم وفي هذه الظروف وبصورة أكثر الحاحاً لصون السلطة القضائية وكرامتها، وسحب أي مبرر لإشعارها بالظلم، وهي التي تقوم اساساً على محاربته.
فليس من سبب الا ووراءه مسبب.فلينزع هذا المسبب لما في ذلك من مصلحة عليا للدولة وللمواطن!!!