-1-
قفزت الرواتب والمخصصات التي يتقاضاها كبار رجال الحكم في العراق الى
أرقام لم تصلها طيلة العهود الماضية، (ونعني بها العهد الملكي والعهد
القاسمي والعهد العارفي والعهد العفلقي ) من (1921-2003)
انها – وبعد
سقوط الصنم – في 9/4/2003 أصبحت أرقاما مخيفة ... تكبّد الدولة وترهقها
بأعباء مالية كبيرة، دون أنْ تكون هناك مسوغات مشروعة لهذه المبالغة
المذهلة ...
-2-
قارنوا بين راتب "المعلم" وراتب (النائب) ومخصصاته مثلا لتروا العجب العجاب
ان النائب يتقاضى في الشهر الواحد مالا يتقاضاه المعلم في سنوات ..!!
فأين هي الحكمة في هذا التفاوت الكبير ؟
وأين هو العدل في التعامل مع من تُناط بهم المهام الكبرى ؟!
-3-
واذا أضفنا الى تلك الأرقام الفلكية التي تصرف على كبار رجال الحكم –
كرواتب ومخصصات وايفادات – ما يُدفع لحماياتهم الموكليّن بالحفاظ عليهم
تصبح القضية من الكوارث ..!!
نعم انها ليست كارثة مالية فحسب ، بل هي
كارثة انسانية أيضا حيث انها تملأ قلوب العاطلين والبائسين حنقا وغضبا،
وتثير في نفوس الموظفين العاملين في مختلف الأجهزة والمؤسسات العراقية
ألوانا من التبرم والشعور بالغبن، وكل ذلك يؤدي في نهاية المطاف الى زعزعة
الثقة بالدولة ورجالها الكبار، وهو أمرٌ خطير في الحسابات السياسية
والاجتماعية ...
إنَّ ثقةَ المواطن بالمسؤول هي غاية الغايات في ارساء
دعائم الامن والاستقرار، فضلاً عما توفره تلك الثقة من ضمانات التطبيق
السليم للقوانين والموازين ...
-4-
والغريب ان تشمل الاستقطاعات
– التي اضطرت اليها الحكومة مؤخراً بسبب الأزمة المالية –صغار الموظفين
والمتقاعدين أيضا ، مع انهم بالأساس يعانون من صعوبات بالغة في تدبير
أمورهم المعاشية قبل الاستقطاعات الجديدة !!
وكان اللازم أنْ تقتصر الاستقطاعات على اصحاب الرواتب الضخمة فقط دون غيرهم ..!!
-5-
وتسمع الشكوى من الاستقطاعات الجديدة من بعض اصحاب الرواتب الضخمة مصحوبة بالاعتراض ..!!
وكأنَّ ما يأخذونه لا يكفيهم ويعرضهم لالوان من المتاعب والمصاعب .
انهم بعد ان استمرؤا " الدلال" أفرطوا في الاعتراض على الخطوة الاولى نحو التوازن والاعتدال ..!!
-6-
ونعود الى مسألة كسب الثقة وأهميتها البالغة في حياة الفرد والمجتمع
والأمة فننقل قصة ذكرها بعض الكتاب في سيرة (محمد علي جناح) – الزعيم
الباكستاني المعروف – الذي استهل حياته بالعمل في المحاماة ومن خلال براعته
فيها ، كسب شهرة كبيرة مكنته من أنْ يشق طريقه نحو الزعامة الاجتماعية
الكبرى .
قيل :
انّ مُوكلاً من موكليه – وهو من التجار الكبار – دفع له (عشرة آلاف روبيةَ) مقدما للمرافعة في قضيته ،
وكان (جناح) يتقاضى المكافأة حسب الساعات التي ينفقها في دراسة أوراق القضية ،
وحين فرغ من دراسة أوراق الملف الذي قدّمه له المُوّكِل وجد انه لا يستحق
أكثر من (ثلاثة ألف وخمسمائة روبية) فبادر مسرعاً الى ارجاع الباقي لموكله
..!!
وهذه القضية كافية لتسليط الاضواء على الطريقة التي يمكن لكل واحد منّا أنْ يكسب فيها ثقة الناس والآن :
ننتقل من (جناح) الى العراق المستباح فنقول :
مَنْ مِنَ السلطويين العراقيين بادر الى إرجاع شيء من من رواتبه ومخصصاته
ايثارا منه للصالح العام على مصلحته الشخصية في ظل هذه الأزمة الخانقة ؟!
هذا وهم يعلمون انهم يأخذون من الرواتب والمخصصات فوق ما يستحقونه يقينا .
ان (جناح) أرجع ما لا يستحق من المال، فكان ذلك سببا لامتلاكه ثقة الجماهير ، وهذا ما عبّد له طريق الزعامة الشعبية الحقيقية .
أما الذين لا يروق لهم الاّ الأخذ فقط والاّ الاستحواذ على أكبر قدر ممكن
من المال العام، فهم لن يصلوا الى تخوم الزعامة الحقيقية لأنهم لا يملكون
قيافتها ...
ولا يملكون شيئا من مقوماتها الأساسية .
-7-
انهم ربحوا المال ولكنهم خسروا الناس .
ومعنى ذلك :
انهم ظلموا أنفسهم قبل ان يظلموا الناس .
ورحم الله الشيبي حيث يقول :
انما نجني على أنْفِسِنا
حينَ نجني ثم ندعو من جنى ؟




التعليقات