كتب استاذنا نقولا اسود في القانون المدني- المدخل والاموال- محاضرات جمعها مجلس فرع الطلاب ، كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية في الجامعة اللبنانية سنة ١٩٨٥-١٩٨٦. "هنالك اسئلة لا جواب حازم لها حتى الآن في القانون ومنها، اولاً: فيما يتعلق بجسم الانسان واعضائه: هل يجوز تغييرها كلياً او جزئياً. مثلاً: ١- اجراء عمليات تغيير الجنس دون مبرر صحي(في هذا الموضوع: هانيا فقيه، تغيير الجنس في النظام القانوني اللبناني، بحث قيد النشر في مجلة الدراسات القانونية التي تصدرها كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية). وينهي الدكتور اسود بما يأتي : "فالله سبحانه وتعالى خلق الانسان كما خلقه واحسن خلقه فلا يجوز تشويه الانسان دون مبرر صحي..."(ص. ٥٣٧).
في جملة واحدة اختصر استاذنا الكبير عنوان هذه المشاركة. فالطب رسالة ( المادة ٢ من قانون الآدب الطبية تاريخ ٢٢ شباط ١٩٩٤)والرسالة تتصل دائماً بشكل متلازم مع غايات هي دائماً نبيلة تجتمع فيها خاصتان هما: البعد الانساني لهذه المهمة والمصلحة العامة التي تنطوي عليها. فمادة العمل الطبي ليست هي العلم والتقنية والخبرة المجردة، وانما هي جسم الانسان الذي له حرمته وحياته التي لها حصانة، اذ ان حياة الانسان وسلامته الشخصية هما فوق كل اعتبار ( المادة ١٣٧ من قانون الموجبات والعقود ). وقد وضعت نصوص خاصة حددت فيها كيفية التعامل على جسم الانسان اثناء حياته وبعد مماته ( حول ذلك سامي منصور، المسؤولية الطبية وفق قانون ٢٢ شباط ١٩٩٤، مجلة العدل ، ٢٠٠٠، عدد ٤، ص ٢٩٨ الى ٢٣٢).
فجسم الانسان هو خارج التجارة وفوق كل تعامل، يترتب على ذلك عدة نتائج وموجبات يجب على الطبيب الالتزام بها. اهمها:
-عدم استغلال مهنة الطب لمنافع شخصية ( المادة ١٦-٢٧-٣٠ من قانون ٢٢ شباط ١٩٩٤ او لمنافع شخصية لمريض ( المادة ٢٠ من القانون) ومن ذلك مسائل اساسية تتعلق باختصاصات معينة كجراحة التجميل. فهذه الجراحة بما وصلت اليه من تطور تقني ودقة تستطيع ان تؤدي الى تغييرات جوهرية في الشكل البشري. فاذا كان للانسان الحق الكامل بالتصرف في ماله، فهل يكون له الحق بمثل هذا التصرف بما منحه له الخالق من مظهر؟ ثم ان هذه الجراحات التجميلية يكون لها دائماً ، بالنسبة للانسان التي يطلب اجراءها له، هدف مادي صرف، تغيير شكله افتراضاً انه للاجمل نتيجته التخفي وراء مظهرمختلف يؤدي الى اقامة الالتباس في اذهان الآخرين ويوقع الغير في الغلط. فالشخص الذي يعرفه او الشخص الذي كان يجب ان يعرفه لم يعد هو ذاته . وقد كانت عمليات التجميل على انواعها بنظر الاجتهاد القضائي السابق هي عمليات غير مشروعة طالما ان الهدف منها تغيير الشكل البشري الذي خلقه الله للانسان بنمط معين . فبنظر تلك النزعة ان في هذه العمليات تحدٍ لارادة الخالق عز وجل من مخاطر تنطوي عليها هذه الجراحة التي لا تعالج مرضاً، ومعالجة المرض هو الهدف من العمل الطبي الذي يقوم عليه العمل الطبي بسعي الطبيب القيام بافضل عناية للشفاء من مرض، وعمليات التجميل لا تعالج مرضاً الا في الحالة الاستثنائية التي يحدث فيها تشويه للانسان نتيجة حادث او تشويه خلقي وشاذ عن المألوف يفترض معالجته. اما ان نغير في الشكل لا لشيء الا لمجرد التغيير فتلك هي اعمال لا علاقة لها بالطب ومعالجة مرض التي تقوم عليها مهنة الطب ورسالة الطبيب، انها عمليات تحدث المرض، كما في حالات عديدة افرزها الواقع ، منها ما عرض على القضاء ومنها ما لم يعرض نتيجة تسويات مع الطبيب وشركات التأمين فتنتهي القضية عند هذا الحد ، مع انها في واقعها القانوني تخضع لقانون العقوبات تحت عنوان الجرم غير المقصود، وهو ما اكدته المادة ٢٠ من قانون ٢٢ شباط ١٩٩٤ اذ حظرت على الطبيب اجراءها في حالتين: الاولى، هي اجراء العملية لتحقيق فائدة غير مشروعة للمريض . الثانية، ان يكون الهدف من اجرائها ليس علاجياً وانما لاسباب مادية مجردة، هي التجميل والفارغ من المضمون، وتحتمل مخاطر في ذاتها مخاطر جدية ودون هدف طبي علاجي لمرض ولا تتناسب مع الغاية المتوخاة منها ، فتكون هذه الجراحة بتعبير المادة ٢٠ من القانون المذكور دون مسوغ ، وليس ادل على ذلك ما تداولته وسائل الاعلام المرئية والمسموعة وصفحات الفيسبوك اخيراً، من حادثة وفاة سيدة عراقية على يد طبيب تجميلي اثناء العملية .
فليعذرني اطباء التجميل . لست متزمتاً ولست ضد الجمال والتجميل عندما يكون لمعالجة تشويه او مرض ، وانما ضد هذه الامبراطورية التي تبسط نفوذها على حساب مهنة هي في علوم الدين والاخلاق والقانون رسالة حتى كاد الطبيب ان يكون رسولاً. فجسم الانسان هو فوق كل اعتبار....
في تعليق سابق على هذه
الصفحة نصحت من لا يزال
عازبا أن لا يتزوج من إفتراضيات، الا بعد أن يفحص
عروسه على الطريقة القديمة!
ومن وحي المناسبة، أنصح بعرض عروس المستقبل على طبيب تجميل، ولكن هذه المرة كخبير لوضع تقرير يبين كيف كانت حالتها السابقة وكيف هي الان ومستقبل هذه التحولات ،
مكفولة ومدة الكفالة، وكيف ستكون العروس عندما يزول مفعول هذه التحولات، وما هو الشكل الذي ستكون عليه في حينه ان بقي لها شكل .... والافضل استصدار قرار على عريضة من قاضي الامور المستعجلة المختص لوصف الحالة عملا بالمادتين
٥٧٩و٥٨٩ من قانون اصول المحاكمات المدنية!!!!