بقلم: د. نورس عادل هادي

إن كل من يسترق النظر بعُجالة إلى هول الكارثة التي آلمت بنا.. بالإنسان.. فأنه حتماً لن يصيبه شيء، فالصدمة ليست من نصيب العابرين.!!

وكما هي لحظة الخلق الأولى التي ابتدأنا الخالق بها، تفتتح مراسم الخطاب البصري بأحقية ما هو خارج الملفوظ النصي/ اللغة المنطوقة المهزومة العاجزة أمام بنية الحدث الأول، (الحدث الذي أسنده المخرج إلى ملامح طقسية تحاكي طقوس الخلق والولادة) متمثلا في الانطلاق نحو الحياة من الماء.. بطهره وقداسته التي تشكل أيقونة ثابتة في وعينا الديني /الحضاري التاريخي، لخلق الإنسان من ماء (خلقنا من الماء كل شيء حي….وابتدأت الحياة عبر تزاوج وامتزاج المياه المالحة والعذبة) وهو المعادل الموضوعي الذي أسس إلى بداية البداية في صناعة متن العرض… فالفتى الذي يجلس مبتسما في بقعة نور ألاهية يتعمد بالماء وبالضوء..أو هذا ما كان، وما لم يدم..(وهي تلك الدلالة التي بثتها الشخصية الأولى) التي لم تستطع أن تحرر طفولتها وأحلامها العالقة مثل تلك الحمامات البيضاء التي ظلت عالقة بيدها أيضا، بل غادرتها الطفولة حين رمت الكرات الزجاجية.. بوصفها دال لعملية استفراغ ملامحها المفترضة تزامناً مع بدء الكوابيس / الشخصيات الأربعة التي مزقت شراشف السرير، وبذلك تمزقت عوالمها البيضاء.

المكان كل مكان .. فمن منا لا يملك مكان للنوم.. والزمان.. خارج الأزمنة الطبيعية للواقع، فهو البعد النفسي لزمن الأحلام والكوابيس التي يتداعى لها الوعي حين تغفو العين وتصحو الذاكرة.. فالذاكرة هي وحدها من ستعاني ال(trauma ) والتروما هي الجرح الذي يستنزف الروح وهي مفهوم حديث لأثار ما بعد الصدمة التي تصيب المجتمعات/ الإنسان بعد الكوارث العظيمة والفريدة من نوعها.

وهو ما دعانا إليه خطاب العرض على وفق مخطط جمالي  شاكس العلاقات البصرية وترددات الصورة ذات الدلالة المتعالية والمضمون المأساوي المريض المتخم بالعبث.. الذي اخذ يزاحم إنسانية الإنسان.. هنا والآن..

فمنذ( ادولف ابيا) الذي نبه إلى المناخ النفسي في الخطاب المسرحي توالت العروض التي نهلت من فكرته البكر آنذاك، ولكن في كثير من العروض ضلت التقنية السينوغرافية عاجزة عن إيجاد متكئ فكري نظري .. وبذلك فإن عناصر الدهشة الوقتية والتسلية التي لبست لبوس المتعة الجمالية هي الأدوات التي تعكزت عليها اغلب تلك التجارب المسرحية.

وهذا ما افتقدناه بفرح في خطاب العرض الذي نحن بصدده الآن، إذ عمد المخرج إلى إيجاد مفهوم فلسفي يؤثث به فضاءات اشتغاله الجمالي على وفق مبدأ المثاقفة ما بين المنظومة السينوغرافية التي أنتجت خصوصيتها المناخية وبين منظومة الأداء التمثيلي لشخصيات فرضت سلطتها على المتلقي في جره نحو بيئة مأزومة ومتأزمة.

نحن نصنع الإرهاب…..

لم يأتينا الإرهاب وافداً دخيلاً إلى مجتمعاتنا .. نحن نربي البوادر والجذور.. نحن نسهم دون شعور في خلق حاضناته، تلك هي العلة التي عالجتها الأنساق الضمنية لمضمرات خطاب العرض، فأوجد صانع العرض مخرجات دلالية عدة في هذا السياق بدءً بتوظيف الدمية التي اتخذت وضعية الصلب على ظهر الشخصية الأولى/ الطفل.. وكان بإمكان تلك الدمية التي تماثل اللعب، أن تلعب دور المخلص والمنجي من الشذوذ الذي صار يقتحم فعل الطفل وسلوكه الخشن لو..لو أبقينا عليها.. لو مددناها بالحياة، كما كانت تمد الأجيال السابقة، بوصفها اللعبة الأقرب إلى صفات الإنسان شكلاً ومضموناً، وهي التي علمت الإنسان/الطفل في الماضي كيف يضفي الحياة على مفردات محيطه الحياتي اليومي بما يزدحم من أشكال بدءً من الجماد..و هي إحالة ذكية تحيلنا إلى التساؤل عن ضمور ظاهرة تقبل وجود الآخر بغض النظر عن كينونته وماهيته.

فيما يستمر العرض في تدعيم ذلك الفهم عبر مقترحات تحيل المتلقي إلى مساحة القسوة في تعبيرات جسدية فاعلة استطاعت أن تُنضج صور خطابها، في مشهد الأداء الجماعي ( لشخصيات اللأربعة / مقاتلين/ مدنيين/ مُدانين/ قتلة/مضحين…الخ) الذين شكلوا بؤرة حدث متحول، استحوذ الفضاء المكاني مرات عدة، وعلى الأخص تلك المشاهد التي لعبت على ثنائية تحولات المقدس والمدنس عبر إزاحات متكررة مختلفة في مستويي الشكل والمضمون وأهمها..( تحول المرحاض إلى مكان للتعلم ولوح للكتابة..واستخدام أداة المرحاض، لضخ ودفع الأفكار المتطرفة .. وتأريخ بعض الشخصيات التي كانت مدنسة في الأصل.. ترتكب الخطايا ..ومنها من مارس القتل ، فهي بالتالي شخصيات تحمل أحاسيس الخوف والجوع البشري، بكل أبعاده وهي الآن مورس عليها الظلم والحصار والقتل وبالتالي صارت مقدسة.( مشهد الاغتسال بماء الخوذ العسكرية)

وكأن الصورة المشهدية تعود بنا إلى التطهير وأوديب سوفوكلس الذي فقأ عينية فغاب الدنس عن المدينة.

ومن ثم تنسحب تلك الثنائية إلى مفردات أخرى تدخل الحيز ألاشتغالي للصراع المتصاعد المتنامي في متن خطاب العرض، فسرير الولادة يتحول إلى سرير موت وسرير العفة يتحول إلى مكان للاغتصاب (في إشارة مهمة إلى صدمة سبايا جهاد النكاح) والتي لم يستطع صانع العرض إلا أن يراها شذوذاً خارج المألوف الإنساني.. ليس من قبل فعل الاغتصاب أو مأساة المغتصبات.. بل من فعلنا نحن الذين لم نعش حالة (التروما)على الرغم من هول الكارثة. ..وهنا تكمن المفارقة..في أن انعدام الحس يولد انعدام الحلم..

لذلك فقد جاءت النافذة الملاصقة للسرير، علنا نرى، وعلنا نفهم ونعيش تلك المأساة.. التي لو حدثت لنسائنا.. فكيف سننظر لهن .. سبايا.. خائنات.. الخ

وهو ذات الصراع وتلك العلاقة نفسها ما بين الدم والنفط.. التي استطاعت أن تجد ديمومتها وغذائها المستمرين، فالدم البشري المقدس صار يمسح بالنفط المدنس.. وهي علاقة يمكن أن نرصد من خلالها، حساسية الفكرة في لحظة عابرة..(يأتي النفط من الدم)

وفي موضع آخر من مواضع خطاب العرض، يُكثف مشهد الكرادة بطريقة تغنينا عن السرديات المطولة عبر ترميز عالي الدقة، وهو ما توخاه صانع العرض في مشهد تفجيرات ملاعب كرة القدم للشباب، التي استطاع فيها الموت المقيت من أن يلتهم أحلام أولئك الفتية..( مشهد أكل مداليات البطولات الرياضية).

لقد أفاد الخطاب البصري للعرض في ت

العمل لفرقة منتدى المسرح الكوني.. تأليف وإخراج (حسين ياسر). تمثيل: محمد رضا الحكيم، كرار الصافي، صادق مكرم،علي كاظم، وسام الخزعلي، حسين ياسر. الإضاءة: سعد سلمان وناظم شجر . ديكور: أمير الأسدي وحيدر جواد. أزياء:علي جبار،عباس جاسم،حسن الشيباني. مؤثرات: حمزة محمد الفيحان.