كان العراقي في زمن صدام حسين لا يعرف شيئا عن أحوال الدولة شرقت أم غربت. فصدام كان أبو الدولة يسيرها كيفما يشاء ويتصرف بأموالها من دون حسيب أورقيب وما على العراقيين غير التسبيح بحمده وانتظار بركاته.
لم يكن العراقي يعرف كم هو حجم واردات النفط أو مداخيل الزراعة أوالصناعة أوالسياحة وأين تصرف هذه الأموال وكيف تصرف.
ولم يكن العراقي يعرف كم هو راتب صدام حسين وكم هي مخصصاته ونثرياته وكم هي رواتب ومخصصات الوزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادتين القطرية والقومية. كل شيء كان يجري تحت ذريعة الأمن القومي ولذلك لم يكن العراقي يعرف حتى النشرة الجوية ولا يدري إن كانت السماء ستمطر غدا أم ستشهد عاصفة ترابية.
اليوم وبقدرة قادر صار العراقي يعرف كل شيء. يعرف الموازنة السنوية للدولة وحجم التخصيصات التشغيلية والاستثمارية في هذه الموازنة. وصار يعرف كم برميل نفط يتم تصديره وكم هي واردات النفط يوميا وشهريا وسنويا.
وبفضل الفساد صار العراقي يعرف حتى حجم الأموال التي سرقت من قبل الأحزاب والوزراء والموظفين. كما صار يعرف مصطلحات مثل العقود الوهمية ومقاولات الباطن ونسبة العشرة بالمائة والففتي ففتي.
ليس هذا فقط بل صار العراقي يعرف كم هي "خرجية" رئيس الجمهورية عندما يسافر. وكلنا صرنا نعرف بقصة المليوني دولار التي استلفها الرئيس من وزارة المالية لأغراض الايفاد الى نيويورك بل نعرف أيضا كيف صرفت السلفة التي زاد منها نصف مليون وأعيدت الى الخزينة.
لكن المشكلة التي تواجه العراقي هي أن هذه الرحمة التي نزلت عليه بفضل الديمقراطية والشفافية والمكاشفة والمكافشة بين الكتل المتنافسة التي تفضح بعضها البعض، تحولت الى نقمة. فقد كان العراقي في زمن صدام حسين بارد الرأس وخالي البال لا تعنيه كل هذه الخزعبلات ما دام يقبض راتبه آخر الشهر. أما اليوم فلم يعد كذلك فهو شريك بالأسرار والخبايا مع أكبر قيادات البلد وتقع عليه مسؤولية كبرى في إبداء رأيه بالموازنة التشغيلية والاستثمارية والمساهمة في مواجهة الفساد الاداري والمالي وفي محاسبة المسؤولين والمقصرين.
هكذا يقال للعراقي أرفع رأسك يا أخي ولا تقف متفرجا بل أسهم في كل شيء فهذا وطنك وأنت معني بإعادة بنائه وإصلاحه ومكافحة الأخطاء ومواجهة الفساد، لكن العراقي لا يستطيع في واقع الحال أن يفك رجل دجاجة. فهو مغلوب على أمره ينظر بحسرة الى أموال بلاده وهي تهدر وتسرق وتبعثر. ينظر بحسرة لفاسدين وهم يتمخطرون أمام شاشات التلفزيون. ينظر بحسرة لصراعات السياسيين والارهاب يضرب حيث يشاء وأينما يشاء. ينظر بحسرة لأحزاب وشخصيات كان يعول عليها خيرا لا هم لها سوى الحصول على المغانم والمناصب والمكاسب. ينظر بحسرة ولسان حاله يقول: ياليتني ما كنت أعرف