14
مايو
2026
العراق ومن يذبح بأسم الشركة الوطنية والاستحقاقات الانتخابية
نشر منذ 17 ساعة - عدد المشاهدات : 18

"العراق: وطن يذبح باسم الشراكة الوطنية والاستحقاقات الانتخابية"
——————— بقلم د. عمار حميد العتابي
 قيل قديماً:
((إذا كثر الطباخون فسد الطعام)).
فكيف إذا كثر الوزراء، وضعفت السلطة، وجاع الشعب؟
حين تفسد السياسة، يتحول الحاكم من راع للدولة إلى طفيلي عليها.
وحين تموت الأخلاق في قصور السلطة، يصبح الوطن مائدةً، والوزارات صحافاً، والمال العام نهباً مباحاً تتعاقبه الأيدي كما تتعاقب الذئاب على جيفة في فلاة.

إن العراق اليوم لا يدار بعقل الدولة، بل بعقل الغنيمة.
وما هذه الحكومات المتورمة التي تولد كل دورة إلا صورة سياسية لرجل بدين يأكل أكثر مما يحتمل جسده، حتى يوشك أن يختنق بشحمه.

ثلاث وعشرون وزارة، وأربعة نواب لرئيس الوزراء، وعشرات الهيئات والمستشارين والدرجات الخاصة، في بلد تصرخ حكومته صباح مساء بأنها تعاني (العجز المالي).
أي عجز هذا الذي تتكاثر فيه المناصب كما يتكاثر الدود في الجسد المتروك؟
إن الدولة التي تشكو الإفلاس ثم توزع المناصب بهذا السرف، تشبه رجلاً يستجدي الخبز نهاراً، ثم يقيم ليلاً مأدبةً للصوص.

الولايات المتحدة، سيدة الاقتصاد والسياسة في العصر الحديث، لا تضم سوى 15 وزارة اتحادية أساسية فقط.

واليابان، التي نهضت من رماد هيروشيما لتصبح معجزةً صناعية، تدار فعلياً عبر 14 وزارة رئيسية ضمن هيكل حكومي شديد الانضباط.
أما فرنسا، الجمهورية التي أرست تقاليد الإدارة الحديثة، فتعمل بحكومة أقل تضخماً وأكثر رشاقة من هذا الكائن الإداري العراقي المتخم.

وفي الصين، التي تدير أكثر من مليار وأربعمئة مليون إنسان، لا ترى هذا الجنون في توزيع الحقائب كما يجري في بغداد، لأن الدول العاقلة تبني مؤسسات، لا إقطاعيات حزبية.

وحتى إيران ومصر، على ما فيهما من تعقيدات اقتصادية وسياسية، لا تبدوان بهذا الشكل الكرنفالي الذي تحولت فيه السلطة العراقية إلى موكب طويل من النواب والمستشارين والحمايات والامتيازات.

لكن الفرق أن تلك الدول مهما اختلف الناس معها ما زالت تعرف أن الحكومة جهاز لإدارة الدولة.
أما عندنا، فقد تحولت الحكومة إلى شركة مساهمة لتوزيع الأرباح السياسية.
الوزارة في العراق لم تعد وزارة.
إنها مملكة صغيرة.
باب للعمولات.
مخزن وظائف حزبية.
مزرعة عقود.
ومنفذ لتهريب المال العام تحت العناوين الوطنية.

ولهذا لا يتشاجرون على مشروع صناعي، ولا على خطة زراعية، ولا على إصلاح التعليم، بل يتقاتلون كما تتقاتل الغربان على جثة، من أجل حقيبة وزارية.
فالوزارة عند كثير منهم ليست مسؤوليةً ثقيلة، بل منجم ذهب رسمي مختوم بشعار الدولة.

أي مهزلة هذه التي تجعل بلداً نفطياً عاجزاً عن الكهرباء، بينما يملك هذا العدد من الوزراء والوكلاء والمديرين العامين؟
أي لعنة أصابت العراق حتى صار المسؤول فيه يزداد ثراءً كلما ازداد الشعب فقراً؟

لقد أصبح العراقي عندما يسمع كلمة التقشف يفهم ان عليه:
أن يطفئ مكيفه في تموز، لا أن يطفئ المسؤول موكبه.
أن يحرم المواطن من التعيين، لا أن يحرم السياسي من مخصصات الهاتف والسفر والحمايات.
أن يصبر المواطن على الجوع، كي لا يصبر الحاكم على تقليل امتيازاته.
لقد بلغ الترف السلطوي في العراق مبلغاً لو رآه بعض خلفاء بني العباس لقالوا:
((هؤلاء أسرفوا أكثر مما أسرفنا)).

ولهذا يبدو العراق أحياناً كأنه بلد تديره جماعة لا تؤمن ببقائه أصلاً.
جماعة تأكل من عمره كما تأكل النار من الحطب، ثم ترفع بعد كل ذلك شعارات الوطنية والسيادة وخدمة الشعب.
ولو أن المال العام كان رجلاً، لوقف اليوم في ساحةٍ ببغداد يصرخ: 
(أيها الناس… أنقذوني من هؤلاء.).

أما الشعب العراقي المسكين،فقد صار يشاهد جمهورية المناصب تكبر كل عام، كما يشاهد المريض الورم في جسده،يعرف أنه يقتله لكنه لم يعد يملك قدرةً على الصراخ.
لقد كان العراقي قديماً يخاف من الغزاة،
أما اليوم، فقد صار يخاف من الذين يقسمون أمام الدستور على حمايته.
فالغزاة كانوا ينهبون المدن ثم يرحلون،
أما هؤلاء فقد جعلوا من النهب نظام حكم، ومن الخراب إدارةً يومية، ومن الوطن شركةً تتقاسم أسهمها الأحزاب.

لم يعد هولاء ساسةً بالمعنى الحقيقي، بل طبقة تعيش على إدامة ضعف الدولة، لأن الدولة القوية تحاسب،أما الدولة المريضة فتنهب بهدوء.
ولهذا كلما ازداد الحديث عن (الشراكة الوطنية)،شعر العراقي أن الوطن يقسم وينهب من جديد.
وكلما ارتفعت شعارات (الاستحقاق الانتخابي)،أدرك أن الكفاءة ماتت،وأن البلاد تسلم مرةً أخرى إلى تجار المناصب.

فحين تصبح المناصب أكثر عدداً من المشاريع،والحمايات أكثر من المدارس،
والمواكب أطول من ساعات الكهرباء،
فاعلم أن الوطن لم يعد يدار بل يستنزف.

وسيذكر التاريخ يوماً أن العراق لم يسقط دفعةً واحدة،بل كان يذبح ببطء،تحت أضواء القصور،وبأيد ترفع شعار الشراكة الوطنية،والاستحقاق الانتخابي.
نعم ايها السادة..
هكذا يمضي العراق، وطن يزداد فقراً، كلما ازداد المتحكمون بمصيره  عدداً.

صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 1

أخبار
تابعنا على الفيس بوك